مقامات الأنبياء والرسل في لبنان



د. هيثم مزاحم


حظي لبنان بزيارة وإقامة بعض الأنبياء والرسل، ووفاة بعضهم على أرضه، والاستدلال على ذلك بقبورهم واثارهم المتفرقة في بقاعه. ومن الأنبياء والرسل الذين زاروا لبنان أو أقاموا فيه ومنهم من توفي ودفن فيه:




نوح عليه السلام
هو نوح بن لَمك بن متُوشلَخ بن إدريس عليه السلام، أوحى الله تعالى إليه بعمل السفينة، وكانت من السّاج، طولها 300 ذراع، وعرضها 50 ذراعاً، وارتفاعها 30 ذراعاً.
وذكر بعض المؤرخين أنَّ مبتدأ سفينة نوح عليه السلام، كانت من جبل لبنان، ثم استوت على الجوديّ. وفي ذلك يقول "أمية بن أبي الصلت" (ت 9 هـ):

منج ذي الخير من سفينة نوح يوم بانت لبنان من أُخراها
فار تنُّوره وجاش بماء طمَّ فوق الجبال حتى علاها
قيل للعبد: سر، فسار وبالله على الهول سيرها وسراها
قيل فاهبط، فقد تناهت بك الفلك على رأسٍ شاهق مرساها

وقد نسبت بلدة "كرْك نوح" إلى النبي نوح عليه السلام، وزارها الرحالة "الهروي" في سنة 579 هـ \ 1173 م. وقال إنها من أعمال بعلبك "بها قبر نوح عليه السلام، وأضاف: "وبالكرك أيضا قبر جبلة ابنة نوح بقرية يقال لها "عرجموش" وقبر شيت بن نوح".
ويذكر المؤرخ الدكتور عمر عبد السلام تدمري في دراسة له بعنوان "الأنبياء والرسل في لبنا" بين الحقيقة والوهم" أن "ابن عساكر الدمشقي" ذكر في تاريخه أن دمشق كانت دار نوح، ومنشأ السفينة من خشب لبنان... وببلد بعلبك في البقاع قرية يقال لها الكَرْك فيها قبر يقال له إنه قبره.
وينقل تدمري عن "شيخ الربوة الدمشقي" ذكره لكرك نوح مرتين في كتابه وفيه يقول:"وبقاع بعلبك، وفيه موضع يفور منه الماء فوراً بالقرب من كرْك نوح عليه السلام يسمى تنُّور الطوفان. وهناك بكرك نوح قبر منحوت بالحجارة طوله واحد وخمسون خطوة، يقال إنه قبر نوح عليه السلام".
وقال "سبط ابن الجوزي":"وفي جبل لبنان جبل الدير مطل على ساحل بيروت، يقال إنه الجبل اذي قال فيه كنعان بن نوح:(قالَ سَـٔاوى إِلىٰ جَبَلٍ يَعصِمُنى مِنَ الماءِ).
وبرغم الخلاف بشأن صحة وجود قبر النبي نوح في الكرك، إلا أننا نجد نائب السلطنة المملوكية في دمشق الأمير "سيف الدين تنكز بن عبدالله الحسامي"(ت 741 هـ) يسجل وقفية على المشهد الذي فيه قبر نوح عليه السلام بتاريخ العشر الأخير من شهر ذي القعدة سنة 731 هـ. وهي تنص على أن المدفون هو النبي نوح عليه السلام. ثم قام الأمير "محمد ابن الأمير ناصر الدين المعروف بالحنش" بتسجيل وقفية أخرى على المقام نفسه مؤرخة في سنة 905 هـ \ 1499م وعليها تواقيع شيوخ وقضاة دمشق وبعلبك.
ويذكر بعضهم أن مدينة صيدا نفسها سميت باسم "صيدون بن كنعان بن حام بن نوح" وأنَّ قبره فيها النبي ابراهيم عليه السلام، وهو إبراهيم بن قارح، وهو آزر بن ناصور بن ساروغ، ولد في بابل في العراق في زمن نمرود، ولما بلغ إبراهيم ثلاثين سنة ألقاه نمرود في النار فنجاه الله، ثم خرج ومعه ابن أخيه "لوط بن هاران" وابنة عمّه "سارة" - وهي زوجته - إلى حرَّان، ومنها سار الثلاثة إلى الشام، ودخلوا على ملك بني كنعان في عين الجَرّ (بلدة عنجر) في البقاع القريبة من دمشق، وكانت الشام منسوبة إلى فلسطين، فقال له  الملك "أيتملك": إنه لا طاقة لي بمعاندة نمرود، وقد جاوَرتَنا مخالفاً له. فقال إبراهيم(ع):"إن إلهي يمنعك منه". فأجار إبراهيم(ع)، وقال: انزل حيث شئت من أرضنا. وبعث إلى عظماء النواحي يأمرهم بحفظه، وحسن مجاورته. فنزل اللّجون قرية من قرى الأردنّ - ثم تحول منها إلى أرض فلسطين.
ودخول ابراهيم عليه السلام أرض لبنان ليس بمستبعد، ويظهر من الروايات أنه كان يتردد على قلعة بعلبك الرومانية ؤيتعبد في زاوية منها، ولا تزال هذه الزاوية قائمة إلى الآن وفيها محراب داخل القلعة يعرف بمقام ابراهيم الخليل عليه السلام، ذكره ياقوت الحموي و"الهروي"، وفيها قبر أسباط.
ويروى أن النبي لوطاً عليه السلام دخل لبنان أيضاً من طريق البقاع قبل أن يبعثه الله تعالى إلى أهل سدوم في فلسطين – وهو "لوط بن هاران بن تارح"، ابن أخي إبراهيم.
وخلّف إبراهيم عليه السلام ولدين هما: إسماعيل، وإسحاق، وخلّف إسحاق: يعقوب، وهو إسرائيل، وولد يعقوب عليه السلام الأسباط، وهم اثنا عشر رجلاً، يقال إنّ أربعة منهم دخلوا جنوب لبنان ودفنوا فيه. وهم بحسب الرحّالة الدمشقي الشيخ عبد الغني النابلسي:
 1- "ليمون بن يعقوب" عليه السلام، له قبةٌ تعرف به في نواحي صيدا من جهة الشرق.
 2- "روبين بن يعقوب" عليه السلام.
 3- "حنين بن يعقوب" عليه السلام.
 4- "شمعون بن يعقوب" عليه السلام، وقبره على جبل قريب من صور إلى الجنوب.


في الصورة: مقام النبي نون في مشغرة - البقاع الغربي - لبنان.
 
الخضر عليه السلام
وفي بيروت بين النهر والميناء جامع بُني فوق قبر يقال له إنه قبر الخضر عليه السلام. وهو قول لا يمكن التثبّت من صحته، إذ يوجد في طرابلس أيضاً قبة فوق ضريح تعرف بقبة الخَضر، بالقرب من التكية المولوية، بينها وبين قلعة طرابلس، كما يقال إنّ قبره في جبيل.
ويقال إنَّ الخضر(ع) كان اسمه إيليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام، وكان أبوه ملكاً، وهو صاحب النبي موسى بن عمران(ع) الذي لقيه عند مجمع البحرين.

موسى عليه السلام
هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وأخوه "هارون" لأبيه وأمه. قيل إنّ جبل لبنان كان عصمة الأنبياء وموضع مناجاتهم ومحل كراماتهم، لا سيما موسى عليه السلام -وكان يعرف بصاحب جبل لبنان- وكذلك هارون أخوه.
وينقل المؤرخ ابن قُتَيبة الدينوري(ت 266 هـ) أنه جاء في التوراة: "أوصى الله تعالى إلى موسى عليه السلام بطُر سيناء: يا موسى بن عمران صاحب جبل لبنان، أنت عبدي، وأنا إلهك الدَّيّان.
ويرفض المؤرخ الدكتور عمر عبد السلام تدمري ذلك الزعم ويقول "إن القول بأن موسى بن عمران صاحب جبل لبنان، هو قول مُرسل، إذ لم يُعرف عن موسى أنه حكم على جبل لبنان المعروف جغرافياً أو طبيعياً الآن، وإنما كان في مصر وفلسطين، وأنه كان يناجي ربّهُ من فوق طُور (جبل) سيناء، كما ورد في القران الكريم. والمقصود بجبل لبنان هنا هو جزء من الجبل الذي يجيء من العَرَج الذي بين مكة والمدينة حتى يتَّصل بالشام، فما كان منه بفلسطين فهو جبل الحَمَل، وما كان بالأردن فهو جبل الجليل".


يوشع عليه السلام
هو يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف بن يعقوب. بعثه الله تعالى نبياً بعد موسى عليه السلام وأمره بالسير إلى أريجا لحرب من فيها من الجبارين، فسار إليها من بني اسرائيل فقتلهم وهزمهم، ولم يبق أحد ممّن أبى أن يدخل مدينة الجبارين مع موسى إلا مات ولم يشهد الفتح، ولم يدخلها إلا يوشع ومن بقي.
ويزعم أن في بلدة المنية قرب طرابلس شمال لبنان قبراً للنبي يوشع عليه السلام، وهذا غير صحيح والقبر لرجلٍ من الأولياء والمشايخ الصالحين.
وهناك قبر آخر يُزعم أنه للنبي يوشع جنوب لبنان حيث توجد قرية صغيرة تدعى "النبي يوشع" تقع في شمال صفد على بعد 22 كيلومتراً عنها.
وقد ذكر صاحب كتاب "خطط جبل عامل" قرية النبي يوشع في الجزء الأول من كتابه (ص307) بقوله: "يوشع قرية فيها مزار منسوب الى يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام مشرف على الحولة من شرقيها على طرف الجبل المطل على الحولة الذي هو منتهيى جبل عامل من تلك الجهة تسمى باسمه وسكانوها هم قوام لمشهد وخدامه يبلغون 50 نفسا من آل لغول واول من بنى عليه قبة هو الشيخ ناصيف بن نصار ولم يكن فيه عمران قبل بناء ناصيف له ولم يكن سوى القبر. وانما حدثت القرية بعد بناء المشهد وصار له خدام يستغلون الأرض التي حوله ولا تأخذ الحكومة منهم شيئا من ذلك العهد الى عهد إلحاقه بفلسطين. وكان اولا من عمل صور فأخذت منه حكومة فلسطين الانكليزية العشر والوبركو. وسبب بناء ناصيف هذه القبة وتعمير المشهد هو أنه نذر لله حين جاءت جنود الشام مع ابي الذهب لمحاربة جبل عامل ان دفع الله عنه غائلتها أن يبني هذه المشهد فمات الباشا الذي يقود العساكر من ليلته وهرب عسكر الشام فوفى بنذره. وأرخ بناءه الشيخ ابراهيم بن يحيي العاملي بقوله:
مقام شريق اطلع اليوم شمسه     خليفة نصار المؤيد بالنصر
فلذ بحماه طالباً الذي بنى            من الله طول العمر مع وافر الأجر
وقل عند إهداء السلام مؤرخاً      عليك سلام الله يا ثاوي القبر
وبنى بجانبه من الغرب مسجداً وبنى حول حجراً للزائرين وكان قبل بناء ناصيف له محاطاً بحائط فقط".
ويضيف صاحب "الخطط":"كان يجتمع فيه الألوف من الزوار من العامليين في موسم الزيارات لاسيما نصف شعبان ويكثر فيها الدبك والصفق من النساء والرجال واطلاق  البنادق والضرب عل المجوز والشباب وغير ذلك من نوع اللهو. والبعض يشتغل بالعبادة من الدعاء والزيارة والصلاة وذكر الله تعالى هذا قبل الحاقه بفلسطين..".

حزيقل عليه السلام
هو حزيقل بن يوزي، وكان القيّم بأمور بني اسرائيل بعد كالب بن يوفَنّا الذي خلف يوشع، ويروي البعض أنه هو الذي أصاب قومه الطاعون، فخرجوا كما قص الله في كتابه الكريم عنهم:(أَلَم تَرَ إِلَى الَّذينَ خَرَجوا مِن دِيٰرِهِم وَهُم أُلوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّـهُ موتوا ثُمَّ أَحيٰهُم).
ويقال إن قبره في البقاع، بالقرب من قبر "شيبان الراعي" غربيّ كرْك نوح، وله مسجد مبنيّ على القبر.
إلياس عليه السلام
قال المؤرخ الطبري(ت 310 هـ) في تاريخه:"لما مات حزيقل كثرت الأحداث في بني إسرائيل، وتركوا عهد الله تعالى، وعبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى عليهم إلياس بن العيزار بن هارون بن عمران".
وتكاد المصادر القديمة تجمع على أن "إلياس" عليه السلام، ومن بعده تلميذه "اليسع" عليه السلام أرسلا إلى أهل بعلبك وملكها.
وتقول الرواية إن "إلياس بن العيزر" بعثه الله بعد "حزيقل" عليه السلام إلى ملك في بعلبك يقال له آحب، وله امرأة يقال لها "إزبيل" كان يستخلفها على ملكه إذا غاب، وكان قتالاً للأنبياء، عابداً للأصنام، ولهم صنم عظيم اسمه "بّعل".

سليمان عليه السلام
هو سليمان بن داوود بن أبشي بن عُويذ من ولد يهوذا بن يعقوب. ملَك بعد أبيه وله اثنتا عشرة سنة من عمره. وسخر الله تعالى معه الجن والإنس والطير والرياح، وأتاه النبوة.  وتذكر بعض الروايات أن النبي سليمان عليه السلام كان يأتي إلى بعلبك، وفيها قصره وهو مبني على أساطين من الرخام، وأنّ مدينة بعلبك نفسها كانت مهر بلقيس ملكة سباً. بل إن البعض يزعم أن سليمان عليه السلام كان يأتي إلى بعلبك وتحمله الريح إليهاـ وقيل إنه كان يتغذّى في بعلبك، ويقيل (من القيلولة) في تدمُر، ويتعشّى بإصطخْر!

مقامات انبياء الله في لبنان


شمعون الصفا
وفي قرية "حامول"، المشرفة على شاطىء البحر في منطقة الناقورة في الجنوب كانت تعرف" بجليل الأمم" يقال إنه ولد فيها شمعون الصفا سنة 10 قبل الميلاد وهو من سلالة الأنبياء من ناحية الأم والأب معاً. فوالده حمون بن عامه يعود في نسبه الى النبي سليمان بن داود(ع) وأمه هي السيدة جليلة أخت النبي عمران(ع) والد السيدة مريم(ع) التي عرفت برفعة شأنها وصدق إيمانها بالله تعالى، والذي خصه جل جلاله بسورة في القرآن الكريم فيقول تعالى: "إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين". وكذلك ما روي عن الإمام علي(ع) قوله لجاثليق الروم: "ان وصي عيسى شمعون بن حامون الصفا إبن خاله اختلفت عليه أمة عيسى..". وبلدة "حامول"، نسبة الى حامون النبي. وذكر المؤرخون أن هذه اللفظة قد حرفت بابدال النون (ن) بحرف اللام (ل) لتقارب الألفاظ الصوتية.


النبي محيبيب(ع)
ففي بلدة محيبيب يقع مقام النبي محيبيب(ع)، وهو بنيامين بن يعقوب من إخوة النبي يوسف(ع)، بعدما عمل أخوه على ترك صواعه بحاجياته بقي عند أخيه من دون أن يعلم. وحينها طلب من أخوته الباقين أن يأتوا بموثق قبل أن يعودوا ويقولوا: "{فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين}،  فعرفوا حينها بأن العزيز هذا هو أخوهم يوسف وأن الآخر هو المحبوب من إخوته "بنيامين" فلذلك سمّي "محيبيب".
النبي سجد
تحوي قرية سجد المشرفة على إقليم التفاح في الجنوب اللبناني مقام نبي الله سجد بنيامين أحد افراد آل يعقوب من بني إسرائيل وهو أحد المزارات اليهودية سابقاً. وترتفع هذه البلدة نحو 1200 متر عن سطح البحر والتي كانت من إحدى المناطق الاستراتيجية العسكرية التي استغلها المحتل الاسرائيلي عند اجتياحهم لبنان عام 1982، للسيطرة على محيط البلدة حيث بنى موقعه العسكري الى جانب المقام الشريف على التل.

النبي آيلا
في شرق لبنان وعلى بعد 16 كيلوتراً من منطقة شتورة يقع مقام النبي أيلا عليه السلام في وسط بلدة سميّت على اسمه "النبي أيلا"، حيث يحيط المقام الشريف منظر من أجمل روائع الطبيعة الخضراء التي تزيّن جوانب هذا المقام، حيث يقصده آلاف الزائرين للزيارة وإيفاء النذور، وهو يعتبر مزار للمسلمين والمسيحيين على السواء.
كذلك على مقربة من هذه البلدة في مدينة شمسطار البقاعية، يقع مقام سام بن نوح(ع)، وهو مقام متواضع. كما يحظى بالكثير من الزوار في مختلف الأوقات وبخاصة في المناسبات.




النبي شيث
ومن أبرز المناطق البقاعية ذات المعالم الدينية، بلدة النبي شيث التي سمّيت نسبة لمقام نبي الله شيث(ع). وتعود تاريخية هذه البلدة الى أكثر من ألف سنة، وذلك حسب الوقفية الموجودة في مقام النبي شيث ابن ادم هبة الله عليه السلام والذي حملت اسمه.


في الصورة: مقام النبي نون في مشغرة - البقاع الغربي.


ا

Comments

Popular posts from this blog

واقع المحاكم الجعفرية في لبنان في حوار شامل مع العلامة الشيخ حسن عواد

جذور التاريخ العثماني - الصفوي (1500 - 1555)